شهداؤنا الخالدون في قلعة شقيف.. مقتضيات المهام الثورية وقيمنا الأممية الحقة

شكل شهداء ملحمة قلعة شقيف في جنوب لبنان بتاريخ(6/6/1982) منبعاً اقتادت منه حركة حرية كردستان مدة عشرين سنة وهم قيمنا الأممية الحقة، وحل القضية الفلسطينية والكردية ممكن بالعصرانية الديمقراطية التي اقترحها القائد أوجلان.

 

لا يتوفر وصف.

عندما تم تشكيل النظام الإقليمي الدولتي القومي بعد الحرب العالمية الأولى كان الشعبين الكردي والعربي من أكثر الشعوب التي تضررت بفعل التقسيمات الاستعمارية، فقسم العرب إلى 22 دولة وقسم الكرد على أربعة دول، ولعل تشكيل كيانيين أداتيين وظيفيين كالدولة التركية القومية وإسرائيل، كمخفرين متقدمين لنظام الهيمنة العالمي ورأس حربة للتدخل في شؤون المنطقة، كانتا من المصائب التي حلت على شعوب المنطقة وخاصة الشعبين الكردي والفلسطيني، حيث أن منظومة الهيمنة العالمية أرادت أن تكون هناك بؤر توتر ومشاكل وقضايا تدوم لمئات السنين، ولذلك نرى الموقف الدولية تمتاز بالإزدواجية والنفاق في تعاملهم مع قضيتي الشعبين الكردي والفلسطيني. ورغم ذلك لم يقبل الشعبين بهذه المصير المجحف والمؤلم من التهجير القسري والقتل إلى الإبادة الجماعية على يد الدولة التركية وإسرائيل، أمام أنظار ما يسمى المجتمع الدولتي السلطوي، ومازالا يقاومان لأجل الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة، وما تفعلها الدولة التركية القومية الفاشية من الهجمات الوحشية وتخريب البنية التحتية واستعمال الأسلحة المحظورة ضد الكرد وفرض العزلة المطلقة ضد القائد أوجلان، تفعلها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وقادته، وهي تمارس إبادة جماعية وفق مانشاهده يوميا وما أكدته محكمة العدل الدولية.

ما قاله الشاعر عمر أبو ريشة في النضال ضد الاستعمار الفرنسي، ينطبق على كردستان وفلسطين وكفاحهم المستمر واليومي، حيث قال:

لن تري حفنة رمل فوقها    لم تعطر بدما حر أبي

كم لنا من ميسلون نفضت    عن جناحيها غبار التعب

شرف الوثبة أن ترضي العلا    غلب الواثب أو لم يغلب

بورك الخطب فكم لف على سهمه     أشتات شعب مغضب

ويوسف العظمة الكردي، الذي قاد معركة ميسلون وحارب الاستعمار الفرنسي لسوريا واستشهد وهو وزير الدفاع، في حالة نادرة الحدوث، فقدم بذلك مثالا للشهامة وللأخوة العربية الكردية وتجسيده للقضية الوطنية السورية وتقوية الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات الخارجية واستمرارا لحقيقة تضامن وتعاون الشعبين الكردي والعربي والمكونات السورية والتقاليد الديمقراطية والقيم المشرقية، التي كانت سائدة في مراحل التاريخ التشاركي والإنساني الطويل، والتي أضُعفت فيما بعد بفعل الأحادية القومية والتعصب للون الواحد ومحاولة فرضه على الأخرين ومحاولات تحقيق حالة الإدماج القسري والتجانس النمطي، كمتطلبات الدولة القومية الاستبدادية ذات اللون الواحد.

أما الخَطب التي تحدث عنها الشاعر عمر أبو ريشة والمصيبة الكبرى والتحديات المختلفة والعدو المشترك والظروف الصعبة فقد وحدت الشعبين العربي والكردي في مواقف ومحطات عديدة، فما من فلسطيني أو كردي حر وشريف إلا ويكون في صف الأخر لعلمهم بأن الشعوب وقوى الحرية لا بد أن تتحالف وتتضامن، فانتصار وتحقيق الحرية لأي من الشعبين هو انتصار للشعب الأخر وسيساعد الشعب الأخر على الوصول لحريته وحقه بشكل اسرع.

قلعة شقيف، شهداء المهام الثورية وقيمنا الأممية الحقة

يحل يوم السادس من حزيران/يونيو، ذكرى معركة قلعة شقيف وملحمة المقاومة فيها، أثناء الإجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في (6/6/1982)، وفي هذه المعركة استشهد حولي عشرة مناضلين من حزب العمال الكردستاني لمقتضيات المهامّ الثورية في تلك الساحة، وكان قد استشهد المناضل عبد القادر جوجوك قبلها في بيروت عندما كان يقاتل مع الأخوة الفلسطينيين في شهر أيار من نفس العام، بالإضافة إلى مواقع أخرى حول بيروت.

مايجمع كردستان وبلاد كنعان و كذلك مصر ومختلف البلاد العربية الحالية،هي الحالة التكاملية والتضامنية والتي كانت موجودة ومستمرة عبر التاريخ وإلى اليوم، وخاصة في الظروف والأوقات الصعبة، ويشير القائد والمفكر عبدالله أوجلان في كتابه مانيفسيتو الحضارة الديمقراطية المجلد الخامس إلى قدومة لعند الحركات الفلسطينية عام 1979 مستطردا ومذكرا بحالة الشعب الكردي وعمليات الإبادة الجماعية بحقه وكذلك مشيرا للتحديات والظروف الصعبة التي واجهته وكذلك للمسار التاريخي بين كردستان وبلاد كنعان، من أيام سيدنا إبراهيم  إلى مسيرته ووصوله لساحات المقاومة للشعب الفلسطيني بقوله:

"فعندما كنت أطمح في بثّ روح الإيمان مجدّدا في وطن عاث فيه النماردة وسوّوه بالأرض لآلاف السنين. كان الأمر يتعلق بشعب دفع به إلى عتبة الإنكار والإبادة والفناء. كان هذا الشعب يرزح تحت نير إبادة وإنكار ثقيلين لدرجة أنه لم تبق لديه أوثان يعبدها.

فحتى الأوثان المحطّمة كانت بقايا من أوثان الحداثة الدخيلة، لا غير. ومثلما حال سيدنا إبراهيم، وجدت نفسي بين الفلسطينيين بعد مسيرة دامت شهرا أو شهرين. بدأت أيامي هناك دون معرفة باللغة أو وجود مترجم. كانت أياما لا يوجد فيها ما يتشبث به المرء للمقاومة، فيما خلا أهمية الهدف المأمول.. لذا، لن يعي الأهمية العظمى للتنظيم وللعلاقات الهادفة إلى مجتمعية جديدة بالدرجة التي تستحقّها، إلا أولئك الذين خاضوا تجاربا كهذه".

كما يؤكد القائد والمفكر أوجلان على أن شهداء قلعة شقيف كانوا القيمة الأممية الحقة وكانوا النبع الذي اقتاتوا منهم طيلة عشرين سنة من وجوده قبل الإعتقال والسجن والمؤامرة الدولية التي حصلت له، ويؤكد القائد أوجلان على حقيقة أن تحرر أي شعب في الشرق الأوسط لن يتحقق من دون تحقيق الثورة الكردستانية مشيرا لوضع التنظيمات الفلسطينية والعلاقة معهم حينها بقوله:

"عندما عقدنا العلاقة مع التنظيمات الفلسطينية، كانت الحداثة الرأسمالية قد نخرت فيهم وأصابتهم بالانحلال منذ زمن بعيد. لكنّ رياح المظهر الثوريّ لم تكنْ تنقصهم في الوقت نفسه. لا يمكن إنكار نصيبهم في تحقيق التحول العسكريّ في PKK. إلا إنّ الباعث على الحزن والأسى هو أنّ هذه العلاقة عجزت عن كسر طوق الذهنية الرأسمالية لديهم. فالمصالح اليومية قصيرة المدى قد فرضت العقم على علاقة جدلية كان بمقدورها أنْ تكون ذات معان عظيمة جدا. كان القادة الفلسطينيون يطمعون في استثمار قبيلتنا الحربية، التي لملمنا شملها بشقّ الأنفس، كجنود مأجورين. لكننا لم نسمحْ بذلك. ولم نتنازلْ قيد أنملة عن روح الثورية والمقاومة. ما قلناه للفلسطينيين كان مطابقا تماما لما قلناه قبلا للثوار الأتراك؛ حيث كنا نقول ما أفاد به "كمال بير" بعبارته: "لن يكون خلاص وتحرر الأتراك أو العرب أو أيّ شعب شرق أوسطيّ موضوع حديث، من دون تحقّق الثورة الكردستانية". بهذا المنوال كان بوسعنا أداء دورنا التاريخيّ والأمميّ. مع ذلك، فقد لبّينا مقتضيات المهامّ الثورية في تلك الساحة بنحو يشار له بالبنان. ومثلما لم نقمْ بحملة خاصة تستهدف إسرائيل، فقد ضحّينا بعشرة شهداء بعد خوض مقاومات ملحمية، جرّاء احتلال لبنان من قبل إسرائيل عام 1982. وقد كانت ذكرى شهدائنا هؤلاء النبع العين الذي كنا نقتات منه طيلة سنواتنا العشرين التي أمضيناها هناك. إذ إنّ نسيانهم أمر محال، وذكرياتهم ليست قليلة الشأن البتة. فشهداؤنا الخالدون هؤلاء هم قيمنا الأممية الحقة".

وفي مواضع أخرى، ويؤكد القائد أوجلان عمق الإبادة الجماعية في كردستان والعلاقة القائمة بين الدولة القومية واحتكارات رأس المال والإبادة الجماعية ولتي لم تعلن عن نفسها علانية في أيّ بلد من العالم، بقدر ما هي عليه في كردستان، اضافت لانتقاده لمنظمة التحرير الفلسطينية التي تساومت مع الدولة القومية التركية ولم تقدم الدعم اللازم، لكونها لم تتجاوز منطق وذهنية الرأسمالية وكذلك انتقادات القائد أوجلان لحركات الإسلام السياسي والتي وجدت لإضعاف النضالات الوطنية والمجتمعية والأممية الحقيقية وأخذها لدهليز وأنفاق ضيقة تخدم أجندات قوى الاحتلال ونظام الهيمنة العالمية، بتحويل القضايا الوطنية لغير موضعها.

الوحدة والتضامن داخل محفل "اتحاد الأمم الديمقراطية الشرق أوسطية"

ويتطلع القائد أوجلان إلى تجديد العلاقات العربية الكردية وتكريس الوحدة والتضامن ضمن محفل "اتحاد الأمم الديمقراطية الشرق أوسطية" بعد خروجه من الساحة العربية والفلسطينية وتعرضه للمؤامرة الدولية، فقد تشكّلت لديه الكثير من العلاقات التاريخية الطيبة التي طغى عليها الجانب الإيجابي رغم بعض الأخطاء، ضمن الشعوب السورية–اللبنانية–الفلسطينية عندما كانت في هذه الساحات، ولعل العلاقة الكردية العربية في شمال وشرق سوريا في منظومة الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، هي تعبير عيني وتحقيق لرغبة القائد أوجلان ولذلك المحفل الذي اشار إليه القائد أوجلان، فبعد تجربة صلاح الدين الأيوبي، يبني الكرد والعرب تجربة قوات سوريا الديمقراطية ويحاربون الإرهاب الداعشي والاحتلال التركي العثماني معا كتفا لكتف.

ومن المهم ذكر رؤية القائد أوجلان في هذه المناسبة، مناسبة موقع قلعة شقيف واليوم الأخوي الحقيقي الذي تحقق بفضل دماء شهداء قلعة شقيف واختلاط الدم الكردي والفلسطيني، حول حل قضايا الشرق الأوسط عامة وقضايا الشعوب العربية وخاصة قضيتي الشعب الفلسطيني،  وكذلك قراءاته وانتقاداته ومقترحاته للحل، لأهمية ما يطرحه القائد أوجلان بعد المراجعات النقدية الشاملة التي أجراها لمسار ومضمون التاريخ والحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية ولحركات التغير والمقاومة ومفهوم الثورات وطرح الحلول، فيؤكد أوجلان أن فرض المقاربات الدولتية القومية على القضايا داخليا وخارجيا في هذا العصر، سيتمخض عن نتائج لن تذهب أبعد من تكرار الانسداد العقيم القائم كما في القضية الفلسطينية–الإسرائيلية.

تركيا أول دولة اعترفت بإسرائيل، وهي إسرائيل بدئية

إن أحد المصادر لأزمة الشرق الأوسط وشعوبها، هو تشكيل الدول القومية العربية (بعد تحولها من أنظمة الانتداب) وإسرائيل بشكل متزامن ومن قبل نفس نظام الهيمنة العالمي بقيادة بريطانيا بعد إنهاء الإمبراطورية العثمانية وتشكيل الدولة التركية القومية وتحجيم وترتيب إيران لعدم ترك قوة منافسة.

وكلنا نعلم وجود العلاقة بين الدولة القومية التركية والحركات الصهيونية منذ اليوم الأول لتشكيل تركيا وحتى قبلها، وكذلك نعلم المسار والتراكم الذي قامت به الحركة الصهيونية وكذلك اعتراف تركيا بإسرئيل كأول دولة قومية تعترف بها عام 1948 ليتأكد لنا في أن الدولة القومية التركية هي إسرائيل بدئية، ولدى تركيا مهام تجاه إسرائيل مستمرة حتى اليوم في تحقيق أمنها وتدعيم اقتصادها وإضعاف المقاومة ضدها. 

ومن المفيد الإشارة أن إسرائيل في جوهرها نتيجة طبيعية لحروب الدولة القومية، التي ظهرت في أعوام 1550 في هيئة دولة حديثة في أوروبا الغربية، والتي استمرّت قرابة أربعة قرون، محوّلة أوروبا إلى حمّامات دم. ولقد لعب الفكر ورأس المال اليهوديّ دورا مهما في تشكيل الدولة القومية. حيث كانت القناعة السائدة هي أنّ اليهود لن يتمكنوا من نيل حريتهم أو من تأسيس دولة إسرائيلية يهودية؛ إلا بتقسيم الإمبراطوريات الكاثوليكية والأرثوذكسية والإسلامية. وقد تحقق ذلك مع الحرب العالمية الأولى. 

ومن المهم لأي دارس أو باحث أومناضل عربي وفلسطيني وكردي، فهم ماهية وكيفية إسرائيل التي يوضحها القائد أوجلان، فهي نواة لنظام الهيمنة العالمي وممثل للمنظومة الرأسمالية العالمية وهناك علاقات لسلطات المنطقة مع إسرائيل يجب نسجها، وهذا يعني أنه سيتمّ الاعتراف بشرعية الدول القومية الأخرى في المنطقة في حال اعترفت هي بوجود إسرائيل كقوة مهيمنة. وإلا فسيجري الضغط عليها وإرهاقها بالحروب. ونظرا لأنّ الجمهورية التركية وبعض الدول العربية اعترفوا بإسرائيل، فقد اعترف بهم دولا قومية شرعية، وأدرجت بالنظام القائم بناء على ذلك. أما الحروب والاشتباكات مع العرب وبعض الدول الإسلامية ضمن إطار القضية الفلسطينية، وضمن إطار إشكالية الخليج؛ فهي على علاقة كثيبة بالوجود المهيمن لإسرائيل داخل المنطقة. إذ سوف تظلّ هذه الاشتباكات والمؤامرات والاغتيالات والحروب متأججة إلى حين الاعتراف بهيمنة وسيادة إسرائيل، ولعل عقد اتفاقيات أبرهام يؤكد صحة ذلك.

من هنا، لفهم أسباب تقسيم المنطقة وشعوبها وإنشاء دول قومية أحادية، علينا فهم الهيكلة السياديّة للحداثة الرأسمالية داخل الشرق الأوسط، أما منظور ومنطوق الشروح التاريخية، اليمينية واليسارية، أو الدينية والمذهبية، أو الأثنية والقوموية الدولتية الأحادية، فهي ليست صحيحة.

أعقد القضايا التي تعاني منها المجتمعات العربية، تقسيمها لدويلات قومية

 من المهم إدراك الفاعل الدولي والهيمنة الرأسمالية وتدخلاته في المنطقة والتشكيلات الدولتية العربية، لفهم وادراك تركيبة النظم والهيكلية السلطوية الدولتية الأحادية الموجودة، وعدم جدية التناقضات الظاهرة لدول المنطقة مع إسرائيل، إلا إذا تم الخروج عن النظام الراسمالي المهيمن، فالذي أنشأهما واحد، أما التشدق بالاستقلالية فهو وهم، وكذلك علينا فهم وإدراك المقاربات الإسلاموية والقومية والدولتية العربية، التي تشكل عوائق أمام التحالفات الديمقراطية لشعوب المنطقة وحالة التعايش المطلوبة لتفعيل الطاقات لمواجهة التحديات وممارسات المحتلين وعمليات الإبادة الجماعية. 

إن جميع المقاربات الإسلامية القوموية، التي يراد إحلالها محلّ الحداثة الرأسمالية المهيمنة، هي نفاق  ورياء؛ سواء الإسلام الراديكاليّ منها أم الإسلام المعتدل أم إسلام الشيعة. فهذه النزعة الإسلامية أداة أيديولوجية خاصة بالرأسمالية، إذ تسلّطها على البلدان الإسلامية في الشرق الأوسط، ولا علاقة لها بالحضارة الإسلامية. بل هي نسخة مشتقة من القوموية المتصاعدة في كنف هيمنة الحداثة الرأسمالية المهيمنة اعتبارا من مطلع القرن التاسع عشر. وعليه، فهي تشكّل العوائق الأيديولوجية والسياسية الأساسية أمام التشاركية والوطنية الديمقراطية والعيش المشترك. أما الإسلام الثقافيّ والإسلام المجتمعي، فهو موضوع مختلف. وتبنّي هذا الإسلام والدفاع عنه ارتباطا بالتقاليد له جانبه الثمين والإيجابيّ.

الدولة القومية لا تحلّ القضايا، بل تنتجها

علينا أن نبحث عن تجاوز وتخطي التبعية للحداثة الرأسمالية المهيمنة وأداتها الدولة القومية، وعدم تكرار نفس الأخطاء وإهدار طاقات الشعب، وكذلك الابتعاد عن المقاربات والأيدولوجيات الإسلاموية واليسارية الكلاسيكية والتي لها دور كبير في حالة العقم والانسداد، والتي تشكلت اساساً تحت الهيمنة الفكرية الاستشراقية للرأسمالية، فمنهجية الدولة القومية في الشرق الأوسط ليست منبع حلّ للقضايا الوطنية والاجتماعية الأساسية حسبما يزعم. بل إنها منبع تصعيد وتجذير وتفاقم وعقم هذه القضايا، فالنظام نفسه لا يقتصر على تأليب دول الشرق الأوسط على بعضها بعضاً. بل إنه وسيلة لتأجيج النزاعات والصراعات بين مجتمعاتها كما نشاهدها. وحقيقة العراق وسوريا واليمن والسودان وليبيا ولبنان وفلسطين تؤكد ذلك.

لكننا لا نستطيع إلقاء الحمل كليا هنا على عاتق الحداثة الرأسمالية ومخافرها المتقدمة كإسرائيل وتركيا. ذلك أنّ الأيديولوجيات الإسلاموية وبعض القوى اليسارية والتنظيمات السياسية، مسؤولة هي أيضا عن ذلك، بقدر العناصر الحاملة للحداثة الرأسمالية على الأقلّ من شعوب المنطقة. فأساليبهم ومناهجهم فاشلة أيضاً، وأدوارهم لا يتعدى خدمة أجندات الحداثة الرأسمالية.

العصرانية البديلة من أجل الشعوب، هي العصرانية الديمقراطية

القضايا العربية أيضا كالقضايا الكردية والتركية، ليست عصية على الحل. كما يؤكدها القائد أوجلان وأمامها محورين رئيسيّين للحل:

1-     السلطوية: البقاء في كنف نظام الهيمنة العالمي، ويعتمد على مضاعفة الحصة من أجهزة الدولة والمجتمع تحت هيمنة النظام القائم، وعلى افتعال النزاعات اللازمة بغية حصد النتيجة المرجوة. هذه هي النتيجة التي تطلعت الدول القومية بما فيها بعض الحركات للوصول إليها عبر الاشتباكات التي جرّبتها طيلة العقود الماضية. وهذا المحور امامه الاتفاقيات المعروفة التي تم نسجها بين الدول العربية وإسرائيل. وهذا الطريق لا يعني أكثر من زيادة وطأة القضايا الاجتماعية العربية، وحملها بالتالي على اتّباع الحلول الراديكالية. قد يحظى هذا الطريق برضى الدول القومية العربية الأوليغارشية، التي تسند ظهرها إلى البترول. ولكنه لن يستطيع البتة تلبية مطالب شعوبها الاقتصادية والديمقراطية. فالشعوب العربية تعاني من قضايا اقتصادية وديمقراطية متراكمة تحتاج لحلول جذرية. ولكن الدول والسلطات عملت على التخفي خلف الصراعات الدينية والمذهبية الزائفة والمصطنعة على الدوام والشعارات المخادعة. وبات لا مفرّ في هذه الدول من الانحلال والتبعثر والإرهاب والتقسيم والاحتلال والتدخلات مثلما يشاهد في العراق وسوريا ولبنان والسودان واليمن وليبيا، أو المطالبة بالتحول الديمقراطي المطلوب والعاجل.

2-    العصرانية الديمقراطية، وهو تجاوز نظام الهيمنة العالمي، حيث لا يمكن الحديث عنه في حلّ القضايا العربية، إلا على خلفية تجاوز الحداثة الرأسمالية. إننا نتحدث عن الانقطاع عن النظام القائم. يصعب على الراديكالية الإسلامية أو الإسلام السياسيّ أنْ يشكّلا حداثة بديلة. وليس باستطاعة الإسلام أنْ يلعب دوره كثقافة، إلا في ظلّ حياة تسودها عصرانية بديلة للحداثة الرأسمالية. وأقوى وأصحّ خيار للشعوب العربية، هو براديغما العصرانية الملائمة للحقائق والوقائع التاريخية والاجتماعية لشعوب الشرق الأوسط جمعاء. والعصرانية البديلة من أجل الشعوب، هي العصرانية الديمقراطية التي لطالما كافحت ضد الحداثة الرأسمالية، والتي تتألف من الكونفدرالية الديمقراطية والأمة الديمقراطية.

العصرانية الديمقراطية طريق الحلّ لأجل القضية اليهودية ودولة إسرائيل

إن النزعات القوموية والإسلاموية والدولتية القومية العربية حيال إسرائيل، ليس لها استقلالية وقد أطلقت بتوجيه من هيمنة الأيديولوجيا اليهودية–الإسرائيلية المؤثرة في المنظومة الدولية الفكرية والسياسية، بحيث تدور ضمن الحدود المرسومة وبالتالي يجب الخروج وتجاوز هذا الإطار المحدد لغاية استمرار الأزمة والبحث ضمن عصرانية وحلول بديلة كالعصرانية الديمقراطية. 
بناء عليه، أمام إسرائيل والقضية اليهودية، خيارين: 

1-     أنْ تخلق التوازن مع دول قومية شرق أوسطية متسالمة معها في ظلّ هيمنتها، وهناك صعوبات عديدة أمام هذا الخيار.

2-    أو أنْ تتجاوز الحداثة الرأسمالية المهيمنة، إنْ كانت تودّ الخلاص من حالة الأسْر للنظام الذي أوجدته. وتعتبر العصرانية الديمقراطية خياراً يشكّل طريق الحلّ ضمن الشرق الأوسط. 

الخاتمة

وعليه، ولأجل الخالدون في قلعة شقيف وذكراهم، الذين قدموا ملحمة في المقاومة ورسموا بدمائهم الطاهرة جسر للأخوة والتضامن بين الشعبين الفلسطيني والكردي، علينا أن نستمر في خطاهم ونواجه كل الصعوبات والتحديات لأجل حل قضية الشعب الفلسطيني وكل قضايا الشعوب المظلومة في الشرق الأوسط والتي نؤمن أن الطريق لحلها كما أكدها شهداءنا الخالدون هو تحقيق الثورة الكردستانية، ونزيل بذلك كل العوائق والتحديات بما فيها بعض المقاربات الضيقة لبعض الفصائل الكردية والفلسطينية التي لا تقيم المشهد بشكل صحيح ولها علاقات مع إسرائيل أو تركيا على حساب قضية الشعبين والتي تشكل عائقاً أمام التحالفات الديمقراطية للشعوب العربية والكردية والفلسطينية وكل مكونات وتكوينات المنطقة، وكذلك علينا تجاوز الأطر والمقاربات المرسومة من قبل منظومة الهيمنة العالمية وأدواتها الإقليمية والمحلية، ونعتقد أن طريق الحل كما جسدها شهداء قلعة شقيف بدمائهم الزكية وما اقترحها القائد أوجلان من العصرانية الديمقراطية والكونفدرالية الديمقراطية لشعوب الشرق الأوسط والأمة الديمقراطية لتحقيق الحرية والديمقراطية لكافة الشعوب المظلومة وعلى رأسهم الشعبين الفلسطيني والكردي.

لا يتوفر وصف.