"هدفنا إعادة بناء الإنسان".. "المصريين" مؤسسة لنشر الوعي وثقافة الاختلاف

رسالة للتنوير والتسامح ونشر ثقافة الاختلاف وقبول الآخر، كلمات تعبر ببساطة عن رسالة مؤسسة المصريين، إحدى مؤسسات المجتمع المدني العريقة والكائنة بقلب القاهرة، والتي تأسسست عام 2007 .

ويرى القائمون على هذه المؤسسة وروادها أن المعضلة الرئيسية التي تواجه أي شعب وأي مجتمع تتمثل في غياب الثقافة والوعي والتفكير وقبول الآخر، وهو أمر ينعكس بالسلب على السلوكيات العامة، لا سيما في ظل غياب قواسم أخلاقية عامة تكون موضع اتفاق.

وقبل أيام توجهت وكالة فرات للأنباء (ANF) إلى مقر مؤسسة المصريين بالمقطم لتتحدث مع الدكتور سمير فاضل وهو أستاذ تاريخ وأمين عام هذه المؤسسة وكان من المفترض أن يشرح رؤية ورسالة المؤسسة وأهم أنشطتها وفعالياتها، لكن الرجل طلب من مراسل الوكالة أن يحضر ندوة عقدت مصادفة مع وجوده، لأن من خلالها سيعرف ما الذي تريده ببساطة المؤسسة، وبعدها لن يكون بحاجة إلا إلى قليل من الكلام.

البحث عن كود أخلاقي

خلال تلك الندوة تحدث الدكتور سمير فاضل عن موضوع ذي أهمية كبيرة يتعلق بمسألة الأخلاق، وطرح تساؤلاً رئيسياً حول لماذا لا يكون لدى المصريين كوداً أخلاقياً يعبر عن الشخصية المصرية، كما هو حال شعوب أخرى مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية وغيرهم، كما تسائل حول الأشياء التي تتداخل في تكون هذا الكود الأخلاقي.

ويرى الدكتور سمير فاضل أن هذا الكود الأخلاقي إذا ما كان متوافقاً عليه ومعروفاً للجميع فإنه سيكون مصدر للتنمية والتقدم، وسيكون مصدراً لنشر قيم التسامح وتقبل الآخر وثقافة التعدد، مؤكداً أن المجتمع يحتاج إلى كود أخلاقي يبتعد عن المعايير الدينية، لأن هذه المعايير تختلف باختلاف الأديان ولا يمكن تطبيقها إلى على من يؤمنون بهذا الدين، لكننا بحاجة إلى مجموعة من الممارسات الأخلاقية التي يحترمها الجميع أيا كانت ديانتهم، معتبراً أن هذا الكود الأخلاقي سيقضي على كثير من مظاهر الفساد والإفساد.

ولفت أمين عام مؤسسة المصريين إلى أن غياب الكود الأخلاقي انعكس على كثير من الأنشطة، بما فيها حتى الصناعات فترى شخص يريد أن يحصل على آلة ما مثلا ليتاجر فيها فيطلب أن يتم إزالة كثير من إمكانياتها حتى يستطيع الذي يشتريها بيع كميات كبيرة منها بأسعار مناسبة، لكن السؤال هنا أنه لماذا لا يتم رفض هذا الأمر الذي ينتقص من جودة منتج ما وأن يكون هناك كود أخلاقي يحافظ على جودة المنتج بصرف النظر عن أي شيء.

دور رجال الدين تجاه الأخلاق

المتحدث الرئيسي في الندوة كان نيافة الأنبا يوحنا أسقف الشباب بكنيسة القديس أثناسيوس بمنطقة المقطم المصرية، الذي يرى أن مثل هذه اللقاءات التي تعقدها المؤسسة المصرية تعطيه الشعور بالأمل في التغيير، معرباً عن أمنيته بألا ينقطع هذا الشعور. ويقول الأنبا يوحنا إن بعض الدول الراقية مثل اليابان من الدول التي صنعت لها كوداً أخلاقياً راقياً، معرباً عن أسفه للقول إنه رغم أن بعض هؤلاء ليس لديهم دين يتبعونه أو يتأثرون به، لكنهم كونوا كوداً أخلاقياً وكل الشعوب تنظر إليهم بإعجاب.

وتسائل الأنباء يوحنا عن أولئك الذين ينظرون بإعجاب لشعب مثل شعب اليابان وبعض الشعوب الأخرى، حول لماذا لا يفعل هؤلاء المعجبون ما يفعله اليابانيون أو بعض الشعوب الآسيوية الأخرى التي اتسمت بالرقي، ويقول إنه سأل نفسه هذا السؤال ويرى أن رجال الدين السبب، لأنه بمنتهى الهدوء رجال الدين لديهم تقصير في صناعة كود أخلاقي يتأثر به المجتمع المتأثر بهم، فكل رجل دين مسيحي – وقد خصة المسيحية لكونه مسيحي – لديه كود أخلاقي يختلف من كنيسة وإبرشية لأخرى، ومن ثم تكون هناك صعوبة في الاحتكام لأي من تلك الأكواد الأخلاقية.

ويرى أنه لو تم النظر بعين الحكمة والاحتكام للعقل سنعرف لماذا اختلف الكود الأخلاقي من فترة لأخرى، ولو دققنا سنعرف أن الأشخاص هم الذين يختلفون، وقديماً كانت هناك مقولة بأن الناس على دين رؤسائهم لدرجة أن بعض الشباب المسيحي أطلق لحيته خلال فترة حكم محمد مرسي رئيس مصر الأسبق المنتمي إلى جماعة الإخوان، وبمجرد سقوط حكم الجماعة ورحيل مرسي نفس الشباب قاموا بحلق لحاهم، كذلك بعض البنات تحجبن خلال فترة حكمه ثم خلعن الحجاب، وهذا عبر عن إشكالية اختلاف الكود الأخلاقي وتغيره وقد يكون ذلك بين مجتمع إسلامي وآخر.

ويرى الأنبا يوحنا أنه يجب أن يكون هناك كود أخلاقي عام يحكم ويصبح كقانون يطبق على الجميع، ويذكر هنا أن إحدى الدول دعت الفنانين والعلماء والشعراء ليقوموا هم بكتابة الدستور، وهؤلاء هم من يعبرون عن الرقي ويعبرون عما يجب أن تكون عليه الدولة، ولهذا جاء الطابع الغالب لدستور هذه الدولة حالة من الرقي المجتمعي، وهذه المجتمعات الحقيقة هي التي تتقدم.

تناقض واضح

وانتقد الأنبا يوحنا حالة التناقض الكبيرة والشيزوفرينيا التي يعيشها البعض، إذ أن كثيرين يرفضون الالتزام بأية أكواد أخلاقية، ولكن عندما يتوجهون إلى دولة أخرى لديها كود أخلاقي عام يعربون عن إعجابهم ويتمنون المعيشة في تلك الدول، لكن لماذا لا يقوم هو الآخر بصناعة الكود الأخلاقي الخاص به والالتزام بالأخلاق، معتبراً أن هذا يعبر عن نوع من النقص والشيزوفرينيا.

ولفت إلى أن كل ديانة ومذهب وثقافة لديها كود أخلاقي، لكن المحبة هي الكود الذي يمكن أن يجمع الكل بصرف النظر عن الطائفة والكنيسة والمذهب والدولة والديانة، المحبة هي التي تجمع كل هؤلاء، والتي يمكن الاحتكام إليها، ولا قيمة للعبادات إذا كان الشخص ليس لديه محبة، وبالتالي المحبة هي الكود الأخلاقي للمسيحيين، وهذا على المستوى الخاص.

أما على المستوى العام يقول الأنبا يوحنا إن دستور الدولة هو الذي يجب أن يضع الكود الأخلاقي الذي يميز هذا الوطن، وهنا يجب أن يتم جمع كل الشعراء والفنانين والمبدعين وكل الحالمين بالرقي ومن يستيطعون صياغة كود أخلاقي يكون للمجتمع ككل.

مؤسسة المصريين والتشجيع على حرية الفكر والاعتقاد

بعد هذه الندوة، يقول الدكتور سمير فاضل، لوكالة فرات للأنباء، إن هذه هي رسالتنا النقاش والتواصل بين كل من هم المجتمع الواحد والتعايش المشترك، مؤكداً أن هذا يأتي في إطار رؤية المؤسسة التي تعمل على إعادة بناء الإنسان من خلال التشجيع على حرية الفكر والاعتقاد، وإعطاء الوعي مساحة كبيرة في حياتنا وقراراتنا.

ولفت "فاضل" إلى أنه يجب أن يتم إفساح المجال للعقل والتفكير وإعطائهما المساحة اللازمة ليكون لهما دواً رئيسياً في حياة الناس وتنشئتهم، وهذه التريبة القائمة على العقل والتفكير ستجعل الناس يهتدون مباشرة إلى أن التعددية والتنوع هو الأساس الذي وجد عليه الكون الذي نعيش فيه.

وأكد أمين عام مؤسسة المصريين أن الإنسان عبر التفكير والعقل سيكون قادراً على قبول الآخر، وإدارة هذا التنوع الذي حوله على نحو خلاق، وعلى نحو يحدث نقلة في حياة المجمتمعات، فالمجتمعات والشعوب التي أدركت قيمة التنوع واستطاعت إدارتها هي التي ربحت مع الوقت، وهي التي تقدمت وأنتجت، لأن التنوع والتعدد ميزة ونعمة وليس نقمة كما يريد البعض تحويلها هكذا نتيجة الفشل في إدارة التنوع الذي يبدأ بالقبول به والأخير هو نتاج التفكير وإعمال العقل والتربية والثقافة.

ولفت "فاضل" إلى أنه في هذا السياق تعقد مؤسسة المصريين عديداً من الندوات والنقاشات واللقاءات التي تناقش كل ما من شأنه الارتقاء بالعفل البشري ونشر ثقافة التنوير، كما يتم استضافة شخصيات من خلفيات فكرية متنوعة بينهم المسلمين وبينهم المسيحيين ومسيحيين من طوائف مختلفة، مشيراً إلى أن هذا قد تجسد في الحضور الذين شاركوا في ندوة البحث عن كود أخلاقي.