انتهاء فعاليات مؤتمر " أزمة المدنية والطريق نحو الحداثة الديمقراطية في الشرق الأوسط"

انطلقت فعاليات الجلسة السادسة من مؤتمر" أزمة المدنية والطريق نحو الحداثة الديمقراطية في الشرق الأوسط" بإلقاء المحاضرة الأخيرة التي حملت عنوان "الإرشادات المستقبلية بشأن الشرق الأوسط" وتتفرع إلى فقرتين هما 1-كونفدرالية الأمم الديمقراطية الشرق الأوسط.

وتناولت الجلسة السادسة والأخيرة فقرتين هما 1-كونفدرالية الأمم الديمقراطية الشرق أوسطية 2- مشروع "سوريا الديمقراطية" الكرد ودورهم في بناء سوريا المستقبل.

في الفقرة الأولى من المحاضرة تحدثت المهندسة والصحفية والناشطة في مجال حقوق المرأة هافين غوناسار، وهي أحد المتحدثين الرسميين في المبادرة الدولية "الحرية لأوجلان والسلام لكردستان".

وبدأت غوناسار حديثها بالقول: يجب أن نعود إلى بدايات الحضارة، للبحث في أزمة النظام المجتمعي، وعمق الأيكولوجية، فكلما اغتربت العناصر المتحكمة بالمجتمع عن الإنسان، اغتربت عن الطبيعة، فهما ظاهرتان متداخلتان، والمجتمع في جوهره ظاهرة أيكولوجية".

وأضافت: "لن يتمكن أي نظام اجتماعي مهما كان من حماية قيمة الأخلاقية، حقيقة وجوده، مالم ينسجم مع الطبيعة، ولهذا السبب يتم تجاوز النظم الاجتماعية التي تتناقض قيمها الأخلاقية وحقائق وجودها مع البيئة والطبيعة، وتبرز علاقة ديالكتيكية بين الفوضى البيئية التي يمر بها النظام الاجتماعي الرأسمالي، والكوارث الطبيعة التي يواجهها. وبالإمكان الخروج من هذا النظام بتجاوز التناقضات الجذرية مع الطبيعة، ومن غير الممكن حل هذه التناقضات مع الطبيعة بالحركات البيئية فقط، فهذه التناقضات استحوذت على جوانب أكثر تطوراً، ومن جانب آخر تجري عملية تحول أخلاقي في أثناء بناء المجتمع الأيكولوجي. ومجتمع يفتقر إلى الوعي الأيكولوجي، لا يمكنه التخلص من الانحلال والانحطاط، فالوعي الأيكولوجي في أساسه وعي أيديولوجي، وهو بمثابة جسر بين حدي الأخلاق والفلسفة، ويمكن تجاوز أزمة العصر والوصول بها إلى نظام اجتماعي صحيح باتباع، سياسة تتمتع بمزايا أيكولوجية. ولمفهوم السلطة الأبويةـ الدولتية دور بارز في عدم حل مشكلة الحرية لدى المرأة، وكذلك المشاكل الأيكولوجية، والقضايا العالقة الأخرى المليئة بالأخطاء الحياتية، ومن ناحية أخرى كلما تطورت الحركة الفامينية والأيكولوجية فقد النظام الأبوي الدولتي توازنه."

يجب التركيز على الوطنية الديمقراطية بدلاً من القومية

وذكرت غوناسار بعض ما قاله أوجلان عن الوطنية الديمقراطية: فالوطنية الديمقراطية تختلف عن الوطنية الدولتية، ولهذا من الواجب القيام بمناقشة سليمة للنظرية والمصطلح والمؤسسات الكونفدرالية تعني الوطنية الديمقراطية، والوطنية الديمقراطية تعني ديمقراطية الشعب فهو نوع من التنظيم الرخو، ولا يحمل في طياته أي توجه نحو الدولة، ويعبر عن نظرتنا إلى الاشتراكية والمساواة والحرية في ذات الوقت ، وبإمكان الشرق الأوسط التوجه نحو الكونفدرالية الديمقراطية، كما هو حال أوربا اليوم، والشرق الأوسط بتاريخه ملائم للكونفدرالية، ولا أدعي بأننا سوف نبني هذا الأمر مباشرة اليوم أو غداً ، ولكن هذه هي وجهة العصر.

وأردفت: الكونفدرالية الديمقراطية تمثل الحل المناسب للشعوب الشرق أوسطية والعالم كافة ، الكونفدرالية الديمقراطية تعني تنظيم الأمة بدون دولة، والكونفدرالية هي تنظيم الأقليات والثقافة والأديان وحتى تنظيم الجنس إلى جانب التنظيمات الأخرى.

واختتمت غوناسار حديثها بالقول: "إن سوريا دولة قومية مخيفة، إيران لها طابع القومية الشيعية، والاتفاق التركي والأمريكي الإسرائيلي خطر، وأما الكونفدرالية الكردية فتهيئ أرضية لحل مشاكل الشرق الأوسط".

دور الكرد في بناء سوريا المستقبل

بعدها ألقى عضو لجنة إعداد الدستور لسوريا المستقبلية المشكلة من قبل مجلس سوريا الديمقراطية أكرم حسو محاضرة تحت عنوان "الكرد ودورهم في بناء سوريا المستقبل".

واستهل حسو حديثه بالقول: تميزت سوريا عن غيرها من الدول في جغرافية الشرق الأوسط منذ بداية تشكلها  كدولة من رحم المشرق العربي والمغرب الكردي أي "الجزء الغربي من كردستان نتيجة اتفاقية سايكس بيكو 1916" بخصوصية التنوع والتعدد العرقي والديني واللغوي والثقافي المعبر عن شعوبها، والتي أدت إلى ارتباط مصير الشعب الكردي بمصير باقي السوريين، لتتكون بذلك بنية المجتمع الوطني السوري الذي عانى وتعرض لمختلف سياسات التهميش والإقصاء والتمييز والتهجير وإنكار الحقوق، وخاصة الكرد منهم.

وأضاف: لم يقف الجهل والإقصاء والخذلان بحق الكرد ودورهم التاريخي في بناء سوريا من قبل الأنظمة المتعاقبة فقط، بل وللأسف اعتمد كل ذلك أيضاً من قبل أغلب قيادات المعارضة السورية منذ بداية الثورة وحتى الآن ليضع كلا الطرفين الكرد بين خيارين: إما معنا ووفق رؤيتنا أو أن مشروعكم مشروع انفصالي إلحادي ومستباح التاريخ والرموز تحت مقولة (كلنا سوريون) متناسين بأن الكرد هم من الشعوب الأصيلة ومن أعرق القوميات في هذه الجغرافية وشركاء كاملون في سوريا المستقبل. ونتيجة كل هذا التجاهل والظلم اندفع الكرد مع حركتهم الوطنية التي كانت تتعايش الحالة الثورية منذ بدايات القرن الماضي مصممين على النجاح في حراكهم السياسي السلمي مع إخوتهم من أبناء الشمال السوري الذين وجدوا في عمق انتمائهم لوطنهم وإيمانهم بثورتهم المعبرة عن إرادتهم طريق الخلاص للوصول إلى سوريا ديمقراطية حرة وجعلها لكل السورين بعيداً عن النزعة القومية والمذهبية والأجندات الإقليمية والدولية.

إن الحراك الكردي الممزوج والمصقول بالروح الوطنية خلق حالة اجتماعية وطنية نبيلة في مناطق روج آفا سعت ودفعت إلى التغيير ونيل الحقوق والحريات لتشكل من كل هذه المفاهيم أرضية خصبة لانطلاقة ثورة روج آفا بتاريخ 19 تموز 2012 في مدينة المقاومة كوباني ولتصبح ثورة روج آفا نموذجاً جديداً للثورات في منطقة الشرق الأوسط عموماً وسوريا خصوصاً.

هذه الحالة الوطنية النبيلة الصادقة سرعان ما تطورت في مناخات ثورة روج آفا لتجعل من المجتمع الكردي مجتمعاً قيادياً للحراك الشعبي في شمال سوريا وحتى في عموم سوريا متميزاً ببسالة نسائه ورجاله ورمزاً للقوة والشجاعة ضد الإرهاب الداعشي قادراً على تمثيل نفسه ومومناً بالديمقراطية والعيش المشترك مفسحاً المجال لجميع المكونات العرقية والدينية واللغوية للعيش جنباً إلى جنب على أسس ديمقراطية.

وبهذه الروح الوطنية التي فضلت الخط الثالث كرؤية استراتيجية أساسية في نضالها تمكنت ثورة روج آفا وبقيادة كردية من تجسيد انتصاراتها ومكتسباتها ومطاليب شعوبها في حالة مؤسساتية جديدة الفكر بعيدة كل البعد عن المركزية والتسلط والإقصاء تحت اسم الإدارة الذاتية الديمقراطية المعلن عنها بتاريخ 21/1/2014 لتمثل جميع المكونات من العرب والكرد والسريان والأرمن والشيشان والتركمان في هذه الجغرافية كأول إدارة ذاتية في مقاطعة الجزيرة لتنتقل روج آفا وشمال سوريا من مرحلة الظلم والدكتاتورية إلى مرحلة المساواة والديمقراطية والكرامة ولتباشر الإدارات مهامها وواجباتها بانية المؤسسات والهياكل الإدارية لها لتنظيم الحياة اليومية فاتحة الطريق والمجال لجميع شعوب روج آفا وشمال سوريا المشاركة بعملية البناء بلغة توافقية حقيقية.

وأردف حسو: إن حالة اللامركزية الديمقراطية المتعايشة في شمال وشرق سوريا بمضمونها وشكلها الاتحادي والمتبلورة في جسد الإدارة الذاتية الديمقراطية المعبرة عن إرادة جميع مكونات وشعوب شمال وشرق سوريا المعلن انتمائها للوطن السوري كانت نتيجة حتمية للأهداف النبيلة والخطوات الجبارة المبذولة من قبل الجميع والكرد معاً والنابعة من رؤيتهم الوطنية السورية. لذلك ولأجل إيجاد حل للمسألة السورية والحفاظ على وحدة التراب السوري لبناء سوريا ديمقراطية، لابد ومن الضروري الأخذ بهذه الرؤية الكردية وبروح ملتزمة بالحق والحقوق تجاه الآخر والمتجسدة بالنتائج الإيجابية للإدارة الذاتية.

وختم أكرم حسو محاضرته بالقول:" وفي النهاية ونتيجة كل هذه التضحيات المقدمة من قبل الشعب الكردي كواجب وطني تجاه الوطن السوري وشعوبه، أصبح الكرد في سوريا العامل الأكثر والأهم في تحديد معالم الخارطة السورية القادمة المتحكمة في معالم الخرائط القادمة للمنطقة بأكملها".

ثم فتح المجال أمام المداخلات والنقاشات أمام الحضور، وخلالها علق المشاركون على دور الشعب الكردي وتضحياته لخلق مجتمع حر وديمقراطي في شمال وشرق سوريا، مؤكدين في الوقت ذاته أن الفضل الأكبر يعود لفكر وفلسفة قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان الذي تجاوز القومية والدولة وطرح مشروعاً من أجل عموم شعوب الشرق الأوسط، داعين إلى التكثيف من عقد مثل هذه المؤتمرات التي تشرح وتوضح فكر أوجلان والمشاريع التي يسعى الكرد لتطبيقها في المنطقة.

وبهذه المناقشات اختتمت الجلسة السادسة والأخيرة من المؤتمر، ومن المنتظر أن يختتم المؤتمر بإلقاء البيان الختامي.