صالح بوزان: المعارك ضدّ الإرهاب والدولة التركيّة كشفت حقيقة بعضٍ من المثقّفين الكرد

أشار الكاتب الكردي صالح بوزان، في حوار خاص مع وكالة فرات للأنباء ANF، إلى أنّ الحرب على داعش لا تنتهي فقط في المجال العسكري، موضحاً أنّه يتوجّب العمل على محاربة الفكر الإرهابي الذي ترافق مع ظهور هذا التنظيم من خلال نهضة فكريّة "كما حدث في أوروبا".

وأكّد بوزان على أنّ "سلوك" الرئيس الأمريكي فيما يتعلّق بالسياسة الخارجيّة لواشنطن "يجسّد العقلية الامبريالية بدون الخدع الدبلوماسية", منوّهاً أنّ القرار الأمريكي الأخير بخصوص إبقاء بعض من الجنود في سوريا جاء وفقاً لمصالح الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط.

ولفت الكاتب الكردي إلى "رفض" الدولة التركيّة والأئتلاف السوري المعارض بشقيه السياسي والعسكري ل"رغبة المجلس الوطني الكردي في إدارة عفرين" بعد احتلالها، معتبراً أنّ "المجلس ليس في علاقة تحالفية مع المعارضة السورية ومع الحكومة التركية وإنما في تبعية كاملة".

كما سلّط الضوء على دور المثقف الكردي في تناول قضايا شعبه، مشيراً إلى "المثقّف المستقل والمثقف الحزبي" وأنّ المعارك الدموية ضد داعش وضد جيش الاحتلال التركي ومرتزقته في عفرين "كشفت حقيقة المثقف الكردي الذي يتزين بنياشين الوطنية والقومية والكردستانية. فكل صفة يصف الانسان نفسه بها لها ثمن. وإذا لم تدفع هذا الثمن فإن تلك الصفة التي تتزين بها لا قيمة لها".

-لنبدأ من آخر التطوّرات الميدانيّة في شمال وشرق سوريا، كيف تقيّمون المعركة التي شنّتها قوّات سوريا الديمقراطيّة لدحر تنظيم داعش الإرهابي كجزء من الحرب منذ معارك تحرير كوباني، وهل ينتهي التنظيم بمجرّد انتهاء هذه الحرب؟

كانت معركة كوباني عبارة عن صراع من أجل الوجود بالنسبة للشعب الكردي السوري. هذا الكلام ليس تضخيماً للمسألة بقدر ما هو تجسيد للحقيقة. فلو احتل داعش كوباني لسيطر على كامل المناطق الكردية، ولحدث تغيير ديمغرافي واجتماعي وفكري ينسف الوجود الكردي من الأساس. نعلم أن المجتمع الكردي مثل أي مجتمع شرق أوسطي متعدد الطبقات والفئات. وبالتالي هناك فئة رجعية ومتدينة غير راضية عن التوجه التقدمي والعلماني لحزب الاتحاد الديمقراطي. وبالتالي لتحالفت هذه الفئة مع داعش من أجل سيطرة الفكر الديني الاسلامي والرجعي على المجتمع. لاشك أن القضاء على الشعب الكردي كبشر لم يكن مؤكداً، فمن الصعب على داعش القضاء على ثلاث ملايين كردي. لكن القضاء عليه كان سيحدث بشكل آخر. كان سيعمل داعش مع مؤيديه من الكرد لتغيير ذهنية الشعب الكردي وانتمائه القومي. كان سيؤدي ذلك لعملية صهر في القومية العربية وفي الاسلام العربي. ولو استمرت الدولة الاسلامية لعقد من الزمن في المناطق الكردية لما بقيت ملامح كردية في كوباني وعفرين ذات الغالبية الكردية المطلقة. من هنا يجب النظر إلى الدور التاريخي للمقاتلات والمقاتلين الكرد في الحفاظ على الهوية الكردية ومتبعة القتال حتى الجحر الأخير لداعش في باغوز. العديد من الأطراف الكردية السياسية وبعض المثقفين الكرد لم يفهموا هذه المسألة. وكانوا يقولون ما علاقة المقاتلين الكرد لتحرير المناطق العربية, جاءت هذه الانتقادات لوحدات حماية الشعب والمرأة نتيجة قصر نظر.

فما قامت به قوات سوريا الديمقراطية بعد معركة كوباني تدخل في باب تحرير الوطن من هذه القوة الظلامية وانقاذ سوريا من مستقبل أسود، كما تدخل في باب انقاذ المجتمعات المتحضرة من هذا الوباء الفكري والاجتماعي والهمجي. صحيح أن الاتصار كان مكلفاً لكنه جسد الشعور العميق بالوطنية السورية وعمق المسؤولية الانسانية.

لا أعتقد أن داعش سينتهي بإعلان النصر في باغوز. ولا أميل إلى الاعتقاد، مثل الكثيرين، أن داعش صنيعة دول ما. فهذا جانب صغير من الحقيقة. أما الحقيقة الكبرى، فهي أن داعش صنيعة الفكر الاسلامي والتاريخ الاسلامي. لا أريد المجاملة هنا مثل الكثيرين. فالتاريخ الاسلامي هو تاريخ الغزوات والقتل والنهب والسبي والمؤامرات الدموية على صعيد الخلافة والسلطنة. إن من يريد أن يصيغ اسلاماً رحيماً وعادلاً فله الحق في ذلك، وهو مجال ترحيب منا جميعاً. وهذا ما قام به العديد من الكتاب الغربيين على صعيد المسيحية. أما من يقوم بهذا العمل ويدعي أنه الاسلام الحقيقي الذي ظهر قبل 1400 سنة أعتبره منافقاً ويهيئ لجرائم جديدة. لاحظت في هذه الفترة العديد من مثقفين ومفكرين في الشرق الأوسط، ومن بينهم بعض الكرد أيضاً، يمارسون المراوغة الفكرية تجاه الاسلام الجهادي. ربما من الضروري هنا طرح سؤال وجيه: لماذا المثقفون والمفكرون العرب فشلوا في مشروعهم النهضوي خلال القرن الماضي؟ لأن هؤلاء المثقفون والمفكرون العرب اعتبروا الاسلام فكراً وتاريخاً أهم عنصر من عناصر تكوين الفكر القومي العربي. وبالتالي فهم لا يريدون التحرر من الفكر الاسلامي الأصولي، ويعتقدون أن هكذا عمل يهدم الفكر القومي العربي. هناك فرق كبير بين أن تعتبر ديانة ما جزءاً من تراثك القومي وبين أن تعتبرها عنصراً أساسياً في تكوين القومية. فبالرغم من أن الشعوب الأوروبية كلها مسيحية، لكن الفكر القومي في كل بلد أوروبي لم يعتمد على الديانة المسيحية. هناك مشكلة أخرى في تفكير المثقفين العرب وهي اعتبار الغزوات الاسلامية جزءاً من تاريخهم القومي. وبالتالي نجدهم يمجدون الاسلام لأنه لعب دوراً في توسيع رقعة الاستيطان العربي وفي تعريب القوميات الأخرى في جسد الأمة العربية. عندما دخل المسلمون فلسطين لم يكن هناك عرب فيها. كما لم يكن هناك عرب في شمال أفريقيا كلها قبل الاسلام. كان السكان الأصليون هم فراعنة وأمازيغ. واليوم يطلق المفكرون والمثقفون العرب بإصرار تسمية شمال أفريقيا بالمغرب العربي نتيجة سيادة اللغة العربية.

نحن الكتاب الكرد الأقرب إلى العلمانية لا نستطيع لوحدنا القيام بهذه المهمة التنويرية لإنقاذ شعوب المنطقة من الفكر الاسلامي الجهادي، ناهيك أن أغلب مثقفينا يتهربون من مواجهة الفكر الاسلامي وينزلقون في العمل السياسي اليومي. لقد لاحظنا أن نسبة كبيرة من المثقفين العرب وبعض مثقفينا الكرد تعاونوا مع حركة الاخوان المسلمين في الأزمة السورية مثل برهان غليون والمسيحي ميشيل كيلو والشيوعي المسيحي  جورج صبرا والكردي عبد الباسط سيدا. زد على ذلك أن كل الحكام العرب وبدون استثناء يلبسون جلباب الاسلام لتعزيز سلطتهم على رقاب الشعب.

كان الفكر الديني المسيحي أكثر شراسة من داعش في القرون الوسطى. ولم يتم القضاء على هذا الفكر الديني المسيحي الذي كان السبب الأول لكل حروب أوروبا إلا من خلال نهضة فكرية ضخمة قام بها المفكرون الغربيون وقدموا تضحيات جسام في سبيل ذلك. لم يصل المثقف العربي والكردي حتى الآن إلى مستوى أولئك المفكرين الغربين للقيام بعمل تنويري ونهضوي يقطع الطريق أمام عودة ما يشبه داعش.

-مؤخّراً, قرّرت واشنطن إبقاء 200 عسكريّ في شمال سوريا كجزء من قوّة حفظ سلام دوليّة، هل تأتي هذه الخطوة تلبيةً من الرئيس الأمريكي للضغوطات التي تعرّض لها من قبل مسؤولين في الإدارة الأمريكيّة، أم هي جانب من استراتيجيّة الولايات المتّحدة بعيدة المدى في الشرق الأوسط بالعموم، وما هو دور أوروبا هنا؟

أعتقد كلا العاملين الواردين في سؤالك لعبا دورهما في تراجع ترامب عن الانسحاب من سوريا. يجسد سلوك ترامب العقلية الامبريالية بدون الخدع الدبلوماسية. فالغرب مازال غربان؛ الغرب الداخلي، أقصد المجتمعات الغربية من الداخل ومن حيث التطور الاجتماعي والفكري والعلمي. تعتبر الدول الغربية على هذا الصعيد في قمة الحضارة وقمة الانسانية. في المانيا التي أعيش فيها أجد الكثير من أفكار ماركس الاشتراكية تتجسد في الواقع أكثر مما تجسدت في الدول الاشتراكية. وهناك الغرب الخارجي، وأقصد العلاقة مع الدول الأخرى ومع الشعوب والقوى التي تكافح من أجل الحرية والعدالة وحقوق الأفراد والشعوب. فعلى هذا الصعيد مازالت الدول الغربية تجسد الاستراتيجية الاستعمارية الامبريالية. إن قتل كلب في شارع أوروبي سيؤدي إلى ضجة اعلامية لعدة أيام، ولكن قتل آلاف الناس في العالم الثالث قد لا يحرك في الحكومات الغربية أية مشاعر انسانية. من هنا أنظر إلى قرار ترامب المعاكس والقاضي بالبقاء في سوريا. فهو قرار يجسد مصالح أمريكا في الشرق الأوسط أكثر من اعتباره تضامناً مع حلفائه الكرد كما يقال في الاعلام. لا ترى الشركات الرأسمالية الأمريكية على لسان ترامب أية مكاسب اقتصادية في سوريا. وقد قال ترامب بعظمة لسانه لا يوجد في سوريا غير الرمال. وهو لم يكن مخطئاً في قراره من هذه الناحية. زد على ذلك أنه أراد أن يترك روسيا وتركيا وايران تغرق في الوحل السوري. ويبدو لديه قناعة أن الجميع سيخسرون في هذا الوحل. بينما وجدت الادارة الأمريكية قصر نظر في قرار ترامب، وأن الانسحاب سيؤثر سلباً على الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وعلى الصعيد العالمي كدولة عظمى. وسيعزز الانسحاب النفوذ الروسي والايراني ليس في سوريا فقط، بل في الشرق الأوسط كله. كما سيؤدي إلى ترسيخ التحالف الروسي- التركي الحالي ليتحول إلى تحالف معادي لمصالح أمريكا في المستقبل. لا أؤمن بالتعاطف الغربي، وخاصة الأمريكي، مع الشعوب وقضاياها العادلة. فالغرب يبحث عن مصادر الربح الاقتصادي بالدرجة الأولى. إذا جاء هذا الربح من خلال الوقوف إلى جانب شعب مظلومة فإنه يتحول إلى إله رحيم. وإذا وجد الربح في عكس ذلك، فلا مانع لديه دفع هذا الشعب إلى جهنم وبئس المصير. ومن حسن حظ الكرد أنهم مازالوا في الحالة الأولى. وبالتالي على الكرد الاستفادة من هذا التقاطع في المصالح مع أمريكا والدول الأوروبية حتى النهاية.

-لطالما اتّهمت موسكو الولايات المتّحدة بأنّها تسعى لتقسيم سوريا وإقامة "دويلة" كرديّة، على ماذا تعتمد روسيا في اتّهاماتها هذه؟ وروسيا معروفة بأنّها كانت تدعو على الدوام إلى مشاركة الكرد في المفاوضات الأمميّة حول النزاع السوري، هل يفهم من التصريحات الروسيّة أنّها ابتزاز لتركيا؟

كنا نعتقد أن الحرب الباردة انتهت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وأن روسيا تحولت إلى دولة رأسمالية امبريالية لتنضم إلى الغرب الامبريالي. لكن هذه الحرب تصاعدت في القرن الواحد والعشرين. ويبدو للعيان أن تأثيرها السلبي على شعوب العالم الثالث في ازدياد. تعيش روسيا من خلال استراتيجية بوتين حالة ازدواجية. فهي مازالت تقود سياسة مركزية متشددة في الداخل بينما على صعيد السياسة الخارجية تستمر على النهج السوفيتي. يريد بوتين أن تكون سوريا لروسيا حصراً، ويعتقد أن ذلك لن يتحقق إلا بإبعاد أمريكا منها كما كان الحال في السابق. لم يكن تدخل بوتين الدبلوماسي والعسكري في سوريا لإنقاذ بشار الأسد. وإنما لم يكن لديه خيار آخر. فهو يعلم أن أي تغيير في نظام الحكم في سوريا سيؤدي إلى إضعاف الوجود الروسي فيها. فإنقاذ بشار الأسد يضمن له حليف تابع يأتمر بأمره. فبمجرد الموافقة على تبديل الأسد سيؤدي إلى انهيار النظام. لأن النظام السوري مؤسس على الفرد.

يدرك بوتين أن الكرد أصبحوا قوة سياسية وعسكرية مهمة لا يمكن تجاهلهم. وإذا بقي الدعم الأمريكي للكرد فإن كل انتصارات بوتين ستصبح في مهب الريح. فلن يستطيع ترسيخ النظام السوري على كامل سوريا مادام هناك فدرالية في الشمال السوري. كما يدرك أن النظام السوري وبمساعدته لن يستطيع القضاء على الادارة الذاتية بالقوة العسكرية نتيجة الوجود الأمريكي. وبالتالي يرى بوتين أن الخطوة الأولى تتطلب إخراج أمريكا من سوريا وتجريد الكرد من هذا السند. وعندئذ يستطيع أن يملي عليهم ما يريده النظام السوري أو يهددهم بعدو الكرد الشرس تركيا، كما فعل في قضية عفرين. إن اتهامات القيادة الروسية لأمريكا بأنها تريد تشكيل دويلة كردية هو مجر لعبة سياسية فاشلة. يعلم الروس علم اليقين أن أمريكا لن تفعل ذلك. ولو كان لديها هكذا مخطط لساند البرزاني في الاستقلال. كما يعلم الروس أن الكرد لا يريدون الانفصال عن سوريا. وبالتالي هذا الاتهام الروسي مجرد حرب دعائية ضد الوجود الأمريكي. لا بد القول هنا أن جميع التصريحات الروسية حول مشاركة الكرد في المفاوضات الأممية وفي اقرار مستقبل سوريا هي تصريحات فارغة. والدليل الأول هو صفقتهم مع تركيا حول عفرين. والدليل الثاني موافقة بوتين لطلب أردوغان بإبعاد ممثلي الادارة الذاتية من لجنة اعداد مشروع الدستور. أعتقد أن الروس ليسوا صادقين تجاه كرد سوريا في كل تصريحاتهم حتى الآن. وهناك احتمال قوي أن بوتين يريدل استغلال أردوغان فترة أطول وتوجيهه ضد السياسة الأمريكية وتوسيع الخلافات بينهما. ولهذا يجب الحذر من التصريحات الروسية. 

-روسيا تدفع بالنظام السوري والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا لإجراء حوار بينهما، ووصف الرئيس الروسي بوتين هذا الحوار بأنّه يخدم مستقبل الاستقرار في سوريا، برأيكم، ما هي الظروف التي تفرض إجراء مثل هذا الحوار، سواء بالنسبة للنظام أم للإدارة؟

أعتقد هذه التصريحات الروسية مازالت خلبية. فمادامت العلاقة بين بوتين وأردوغان مستمرة لن يضغط بوتين لإنجاح هذا الحوار. ربما تأتي هذه التصريحات الروسية كنوع من الضغط غير المباشر على أردوغان لدفعه إلى تنازلات جديدة لصالح السياسة الروسية في الشرق الأوسط ولصالح النظام السوري. وعلى قيادة الادارة الذاتية أن تستوعب هذه الحقيقة. لو كان بوتين جاداً في أقواله لما تجرأ الرئيس السوري في خطابه الأخير اتهام الكرد بالخيانة، ولما تجرأت بثينة شعبان برفض أي حقوق للكرد في سوريا المستقبل. بل يمكن اعتبار تصريحات الأسد هي مد يد خفية لأردوغان لتشكيل حلف رباعي يشمل الأسد وأردوغان وبوتين والروحاني ضد أمريكا، وبالتالي سيكون هذا الحلف ضد الادارة الذاتية حكماً. يطلب بوتين من الادارة الذاتية الخضوع لسلطة النظام السوري دون أن يُلزم هذا النظام بقرار جرئ حول الحقوق الكردية. ولهذا جن جنون الرباعي بوتين والأسد وأردوغان وروحاني عندما تراجع ترامب عن قراره بالانسحاب الكامل من سوريا ورغبته في إقامة منطقة أمنة في الشمال السوري. لقد قضى ترامب بهذا القرار الأخير على كل أحلام هذا الرباعي المعلنة والخفية. وفي حال نفذ ترامب وعده بإنشاء المنطقة الأمنة بدون تركيا سيكون الظرف مناسباً للإدارة الذاتية بإجراء حوار فاعل مع النظام السوري. وسيتجاوز الحوار مسألة الادارة الذاتية إلى مجمل مستقبل سوريا عامة.  

سيسعى النظام السوري التهرب من أي اتفاق مع الادارة الذاتية قدر المستطاع. ولكي نفهم السبب الخفي لهذا التهرب علينا تحليل كيف يفكر قادة النظام السوري أصلاً. كان لدى هذه القيادة اعتقاد أن داعش (وقد انتهى) وجبهة النصرة غير قادرين للقضاء على النظام أو تغييره، لأنهما تنظيمان ارهابيان عالمياً. ولن يسمح العالم بسيطرة أحدهما على سوريا. وأعتقد هذا هو وراء القرار الأمريكي بتصفية داعش. لكن الأمر مع الادارة الذاتية مختلف كلياً. فقد أثبتت هذه الادارة من ناحية وطنيتها وحرصها على وحدة سوريا أكثر من النظام السوري. وثانياً تتجسد هذه الادارة في مؤسسات، رغم كل نواقصها، أهي كثر ديمقراطية وأقرب إلى الشعب من النظام السوري. وثالثاً فهذه الادارة مدعومة من أمريكا والدول الأوروبية وبعض الدول العربية حتى الآن نتيجة الدور البارز للمقاتلين الكرد في حرب ضروس ضد داعش. يعتقد قادة النظام السوري، كما أسلفنا، أن قبول هذه الادارة في جسد الدولة السورية سيفرض حكماً تغييراً جوهرياً في النظام. وهذا ما لا يريده بوتين ولا بشار الأسد ولا أردوغان ولا روحاني. ومن ناحية ثانية ستخسر ايران وتركيا دورهما الفاعل على الأرض السورية. وثالثاً سيخرج النظام الجديد من التبعية المطلقة لبوتين كما هو الحال الآن. لقد وصل الأمر برأس النظام السوري أن يقول لقادة الإدارة الذاتية إما أن تحلوا إدارتكم وترجعوا لحضننا كما نحن وإما سأسلط العدو التركي عليكم. لا أعتقد أن هناك في العالم هكذا نموذج من الرؤساء يهدد قسماً من شعبه بسيف الأعداء؟

-ماذا عن مستقبل عفرين, هل سنرى تغيّراً في المواقف الدوليّة حيال الاحتلال التركي، خاصّة في ظلّ الإرهاب الذي تمارسه الفصائل الإرهابيّة المدعومة من تركيا بحقّ أبناء عفرين وعمليّات التغيير الديموغرافي التي تحدث هناك؟

لقد دخلت قضية عفرين منعطفاً متشعباً. لا شك أن هناك هدف مصيري لوحدات حماية الشعب  في تحريرها. بل هي وحدها معنية بتحريرها. لكن هذا التحرير مرتبط بموقف روسيا بالدرجة الأولى. لا أعتقد أن أمريكا ستتدخل في هذه المسألة ولا الدول الأوروبية. لأن هذه الدول لم تتخذ موقفاً نهائياً تجاه تركيا بعد. فرغم الشرخ الذي حدث بين هذه الدول وتركيا، فهي مازالت تأمل في تخليص تركيا من براثن بوتين وإعادتها لحضن الغرب. وبالتالي لن تستخدم الدول الغربية وأمريكا ورقة عفرين ضد تركيا. وفي الوقت نفسه لن تعارض وحدات حماية الشعب بتحريرها. إذا ازداد الشرخ بين تركيا وأمريكا فإن الأخيرة ستتخذ أوراقاً أخرى ضد تركيا أكثر فاعلية كالحصار الاقتصادي وتقليم نفوذها في منطقة شرق الأوسط عامة، وقد تصل الأمور في النهاية إلى طردها من حلف ناتو. ومازال هذا الاحتمال بعيداً. أمريكا والدول الغربية تنتظر نهاية زواج المتعة بين بوتين وأردوغان. وهذه النهاية قادمة. ولكن لا نعرف بعد متى؟ ولهذا نجد أن أمريكا مازالت تتساهل مع عربدات أردوغان السياسية. وتحاول عدم دفع العلاقة معه إلى القطيعة. من المؤكد أن القوات الكردية ستكثف عملياتها ضد تركيا ومرتزقتها في عفرين بعد الانتصار النهائي على داعش. وستلحق بها خسائر كبيرة ستنعكس سلباً على مكانة أردوغان وحزبه في الداخل التركي. وقد تستغل المعارضة التركية مقتل الجنود الأتراك على يد وحدات حماية الشعب للمطالبة بالانسحاب التركي من سوريا. وإذا كانت الاشاعات التي صدرت صحيحة بأن الرئيس التركي السابق عبد الله غول ووزير الخارجية السابق داوود أغلو يسعيان لتشكيل حزب جديد، فإن ذلك سيؤدي إلى شرخ عمودي وأفقي لحزب أردوغان. وسيفقد الأكثرية البرلمانية في الانتخابات القادمة وكذلك منصب رئاسة الجمهورية.

أعود إلى القول في حال انتهاء زواج المتعة بين أردوغان وبوتين سيكون ذلك عاملاً حاسماً لوحدات حماية الشعب في تحرير عفرين. هناك سببان سيؤدي إلى تردي العلاقة بين بوتين وأردوغان. السبب الأول مسألة ادلب. ثمة قناعة  لدى بوتين أن تركيا لا تريد انهاء جبهة النصرة. فهي تماطل في هذه المسألة لقناعتها أن ما بعد إدلب سيُجبر بوتين أردوغان بالانسحاب من الأراضي السورية كلها وتسليمها للنظام. وعندئذ ستخرج تركيا من الملف السوري بخفي حنين. كما يعتقد بوتين، وهو مصيب في هذا الاعتقاد، أن عدم السيطرة على ادلب وانهاء جبهة النصرة ستعتبر كل انتصاراته هباء. والسبب الثاني أن اللجنة الدستورية التي تعدها روسيا وتركيا وايران لن تكون مقبولة من قبل الغرب، وخاصة من أمريكا. وبالتالي سيعود الجميع إلى مؤتمرات جنيف من جديد. في هذه الحالة لن يكون للحلف الثلاثي روسيا وايران وتركيا أي دور المركزي في جنيف. لا سيما أن الأسد لم يتوج بالنصر النهائي في السيطرة على كل سوريا ولا استعادة الشمال السوري. هذه العوامل كلها ستكون لصالح وحدات حماية الشعب في سبيل تحرير عفرين.

-باختصار, ما هو شرحكم لموقف المجلس الوطني الكردي في سوريا من احتلال عفرين، كون المجلس منضوٍ تحت راية الائتلاف السوري الذي يتبنّى الفصائل المرتزقة التي شاركت الجيش التركي في الغزو على عفرين؟

باعتقادي أن قادة المجلس الوطني الكردي خارج سوريا لعبوا دور المرتزقة، مثلهم مثل ما يسمى الجيش الحر. سمعت وقرأت تصريحات لهم، أثناء الغزو التركي لعفرين وبعد الاحتلال، أن لديهم سبع كتائب كردية قاتلت إلى جانب الجيش التركي ومرتزقة الائتلاف ضد وحدات حماية الشعب والمرأة. وفي النتيجة رفضت تركيا والائتلاف السوري بجانبيه السياسي والعسكري رغبة هذا المجلس في إدارة منطقة عفرين بعد الاحتلال. ولم يتجرأ هذا المجلس المطالبة بعودة بيشمركة روجافا إلى عفرين "المحررة" حسب منطقهم لحمايتها. مما يدل أن هذا المجلس ليس في علاقة تحالفية مع المعارضة السورية ومع الحكومة التركية وإنما في تبعية كاملة. لقد استخدمت هاتان الجهتان قادة المجلس الوطني الكردي إعلامياً حتى النهاية، ومن ثم وضعتهم على الرف لتكليفهم بمهمات قادمة. بل لاحظنا أن الحكومة التركية بحثت عن عملاء كرد أكثر منهم خضوعاً لها ليكونوا رجالاتها في ادارة عفرين. لقد بات الشعب الكردي السوري يعرف حقيقة قادة المجلس الوطني الكردي في الخارج. ولعل بعض الاختلاف في مضامين تصريحات وبيانات قادته في الداخل مقارنة بقادة الخارج تؤكد أن من في الداخل يراعي مزاج الشعب وموقفه من قادة المجلس في الخارج.

-بالنسبة للوضع الداخلي الكرديّ في سوريا، رأينا مبادرة توحيد الصفّ الكردي من قبل المؤتمر الوطني الكردستاني، كيف تقرؤون هذه المبادرة, وهل ترون فرصاً لنجاحها، وأحزاب المجلس الوطني الكردي لم تستجب لهذه المبادرة، وربّما اتّخذت منحى أبعد من الرفض، حيث قامت بمحاربتها من خلال تصريحات عدّة قياديّين من تلك الأحزاب، بمنظوركم، لما هذا الموقف من المجلس، وهو الذي كان يدعو دوماً لتفعيل اتّفاقات هولير ودهوك؟

كنت على قناعة منذ بداية عمل المؤتمر الوطني الكردستاني أن هذه المبادرة ستفشل. لكنني أيدتها شخصياً، عسى أن تكون وسيلة لإنقاذ المجلس الوطني الكردي من الائتلاف الاسلامي ومن براثن أردوغان المعادي للقضية الكردية في عموم كردستان. تابعت جميع الحجج التي قدمها قادة المجلس الوطني الكردي لرفض المبادرة بحجج هزيلة. لأن جوهر المسألة بالنسبة لهم أن الموافقة على المبادرة ستؤدي إلى طردهم من الائتلاف السوري ومن تركيا. وفي الحقيقة ليس لهذا المجلس أي وزن ملموس بين الشعب الكردي في سوريا. وهم يعرفون هذه الحقيقة أكثر من غيرهم. كانوا يستخدمون سيف الائتلاف وسيف أردوغان ضد حزب الاتحاد الديمقراطي من أجل أن يضطر هذا الحزب عقد صفقة معهم ليحصلوا على فيفتي- فيفتي في الادارة الذاتية. وهذا وراء تغنيهم باتفاق هولير ودهوك، لأنهما كانا مجرد صفقة لا أكثر. هم يدركون أنهم خلال الانتخابات لن يحصلوا على أي وزن يؤهلهم لتعديل ميزان القوى في الادارة الذاتية. وهذا هو السبب في عدم موافقتهم لترخيص أحزابهم ومجلسهم لدى الادارة الذاتية. ففي حال موافقتهم على ذلك سيكون المعيار أمام الجميع هو الانتخابات. هم على قناعة أن حزب الاتحاد الديمقراطي لديه جماهير أوسع من كل الأحزاب الكردية السورية مجتمعة. وأن هذا الحزب في تحالفهم مع العرب والسريان والآشوريين والتركمان سيحصلون على النسبة العظمى من مقاعد الادارة الذاتية. وسيتضح للجماهير أن المجلس الوطني الكردي فقير جماهيرياً وليس لديه سوى دكاكين لبيع الشعارات. نلاحظ اليوم أن جميع تصريحات قادة هذا المجلس هي رغبات أردوغان تأتي على لسانهم. وبالتالي فقدوا لدى الجماهير الكردية هويتهم القومية والوطنية. من يقرأ بيان الاخوان المسلمين الأخير حول المنطقة الآمنة سيصل إلى قناعة أن الكردي الذي يتحالف مع هذه الجماعة يفتقر قبل كل شيء إلى السوية العقلية.

-فيما يتعلّق بالمثقّف الكردي السوري ودوره الاجتماعي والسياسي، كيف يمكننا أن نفصل بين المثقّف الذي يعتبر نفسه مستقلّاً، وهو في الآن ذاته يبدي مواقف أكثر تشدّداً من مواقف أيّ فرد حزبي، وبين المثقّف المستقلّ الحقيقي كما يجب أن يكون؟

في الحقيقة لا أعرف ماذا يعني المثقف الكردي المستقل الحقيقي وغير الحقيقي. ربما يكون الأنسب أن نقول المثقف المستقل والمثقف الحزبي، أو المثقف المستقل والمثقف الدجال. هذا المرض موجود عند الكرد وعند العرب أيضاً. لقد ظهر مصطلح المثقف المستقل لتميزه عن المثقف الذي ينتمي لحزب سياسي أو لتيار سياسي. وهذا خيار شخصي لا بد احترامه. في الحالتين يوجد مثقف جيد ومبدع ومثقف سطحي. أما أولئك المثقفون الذين يدعون الاستقلالية وفي الوقت نفسه أكثر تشدداً هم دجالون. لا يمكن أن يكون هناك مثقف مستقل إلا إذا كان صاحب فكرة ورؤية خاصة به ينظر من خلالها إلى الظواهر الفكرية والسياسية والاجتماعية. قرأت مرة قولاً يقول صاحب هذا القول بما في معناه، أن المثقف العربي يظهر أمامنا من خلال آخر كتاب قرأه. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الكتاب الكرد أقل قراءة، رغم نتاجهم الغزير، فإن هذه التراجيديا على الصعيد الكردي أكثر كارثية. لاحظت أن العديد من مثقفينا الكرد الذين يدعون الاستقلالية يبرزون من خلال رفع راية التضاد. فهم يكتبون بحماس شديد لصالح فكرة ما، وينتقدون بنفس الحماس فكرة أخرى مضادة للفكرة الأولى. وبعد مدة، قد تطول أو تقصر يتحولون إلى نقد الفكرة الأولى بحماس وتأييد الفكرة الثانية بحماس أيضاً. هذا الموقف يذكرني بالفلسفة السفسطائية اليونانية. كان رواد هذه الفلسفة يخطبون بين الجماهير لإقناعها بفكرة ما، ومن ثم يعكسون الآية فيخطبون لاجتثاث القناعة التي زرعوها في عقولها واقناعها بفكرة مضادة. لكن هذه الفلسفة على صعيدنا الكردي أكثر كوميدية. إن تحليل الحالة العقلية لهذا المثقف الكردي المتقلب ليس صعباً. فإما أنه لم يكن يؤمن أصلاً بالفكرة الأولى، وكان يبشر بها بحماس نتيجة عوامل خفية لا يكشف عنها، والآن  بات ينتقدها نتيجة عوامل خفية أخرى لا يريد الكشف عنها أيضاً.

قلنا عندما يكون المثقف المستقل صاحب فكر خاص به فهو يقارن كل المعطيات وجميع الظواهر الفكرية والاجتماعية والسياسية الجديدة من خلال الفكر الذي يؤمن به. وبالتالي يأتي نقده أو تأييده لأي موقف على ضوء ما يؤمن به. فقد يؤيد فكرة لهذا الحزب وفي الوقت نفسه ينتقد فكرة أخرى لدى هذا الحزب نفسه. من غير المعقول أن تكون في نقدك تمثل اتجاهاً تقدمياً، على سبيل المثال، وفي نقد ما تؤيد فكراً رجعياً. يبدو أن مصطلح "المثقف المستقل" على صعيدنا الكردي هو في الأغلب ستار يخفي السبب الحقيقي في أي نقد وأي تأييد. أغلب مثقفينا الكرد يجسدون ظاهرة الجبن الفكري في النقد وفي التأييد. والسبب الأساسي لهذه الحالة هو الفقر الفكري الذي يجعله عرضة لأي تيار طارئ.

لننتقل إلى الملموس قليلاً ونطرح السؤال التالي: ما هو الدور التاريخي للمثقف الكردي في المرحلة الراهنة.

جميع مثقفينا وعلى مختلف المستويات والتصنيفات يعتبرون أنفسهم حاملي لواء الوطن والشعب والقومية. وبغض النظر إن كانوا يحملون هذا اللواء عن معرفة أو عن عاطفة، أو كانوا صادقين وغير صادقين في أقوالهم، فلا بد الاقرار بهذه الحقيقة. سأتناول الموضوع من زاوية أخرى. عندما تسمع أنين إنسان ما يتعرض للتعذيب فمن المستحيل أن لا تتأثر وتتألم لألمه، وإلا لما عدت إنساناً. والمثقف الكردي يسمع أنين الشعب الكردي أينما التفت. يسمع هذا الأنين عندما يقرأ تاريخه، يسمعه عندما يصغي لصوت مطرب شعبي يغني أغنية تراثية، ويقرأه في القصص الشعبية. وبالتالي ما يجمع كل المثقفين الكرد هو هذا الأنين الذي يمتد إلى عمق التاريخ. هنا يأتي السؤال الذي يجب على كل مثقف كردي أن يطرحه على نفسه: ما العمل؟

أكاد اجزم أن المثقفين الكرد يعشقون الحرية. وهم ضد الاستبداد بالمطلق. ولكن هل يتجسد ذلك في مواقفهم وعملهم؟ عندما تكون أمامك مهمة تحرير الوطن والدفاع عن الشعب من عدو خارجي على الأبواب فإن أي حديث عن جمهورية أفلاطون هو التهرب من المسؤولية التاريخية. وهذا ما فعله للأسف بعض المثقفين الكرد تجاه صراع حزب الاتحاد الديمقراطي ومقاتليه ضد داعش والمنظمات التكفيرية وضد تركيا.

كشفت المعارك الدموية ضد داعش وضد جيش الاحتلال التركي ومرتزقته في عفرين حقيقة المثقف الكردي الذي يتزين بنياشين الوطنية والقومية والكردستانية. فكل صفة يصف الانسان نفسه بها لها ثمن. وإذا لم تدفع هذا الثمن فإن تلك الصفة التي تتزين بها لا قيمة لها.

يقوم العديد من مثقفينا الكرد، تحت اسم مستقلين أو غير مستقلين بتلبيس من تعاون مع الجيش التركي ومازال يتعاون مع الحكومة التركية والائتلاف السوري شروال الوطنية والقومية الكردية للتغطية على عوراتهم السياسية، وربما المساهمة في إعدادهم لخيانات جديدة من حيث لا يريدون.

-----------

صالح بوزان: من مواليد عام 1951. كاتب سوري يكتب باللغتين الكردية والعربية في مجال الفكر والسياسة والأدب. حاصل على ماجستير في الاقتصاد الدولي من جامعة كييف بأوكرانيا عام 1978.